علوم سیاسی - دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم - الصفحة ٤ - كتاب تدبير المتوحد ٢ لابن باجه الاندلسى المتوفى ٥٣٣
كتاب تدبير المتوحد ٢ لابن باجه الاندلسى المتوفى ٥٣٣
الباب الخامس
فصل:
الغايات التى يتضمنها المتوحد فهى ثلاث: اما أن تكون لصورته الجسمانية، أو لصورته الروحانية الخاصة، او لصورته الروحانية العامة. فان الغايات التى له - و هو جزء مدينة امامية - فقد تلخّصت فى العلم المدنى. و اما التى تنصّبها له فى مدينة مدينة - من حيث هو جزء مدينة - فان من افعاله فيها مايليق بالمتوحد فيكون احدى هذه. و اما أن يكون فى المدينة الفاضلة، فقد تلخص امر المدينة جملة فى العلم المدنى.
و الروية و البحث و الإستدلال، و بالجملة فالفكرة، تستعمل فى نيل كل واحد منها. فانه إن لم تستعمل الفكرة كان ذلك فعلاً بهيمياً، لا شركة للانسانية فيه من جهة من الجهات، اكثر من ان الموضوع جسم خلقته خلقة انسان. و أما من كان غرضه غرضاً بهيمياً - سواء نيل بفكرة انسانية او لم ينل - كان جري انسانيته و جري البهيمة واحد. و لا فرق بين أن يوجد حينئذ خلقته خلقة انسان، قد استبطن بهيمة، أو يكون بهيمة مفرده. وبيّن ان ما له هذا بالفعل البهيمى لايلتئم منه مدينة، و لا يكون جزء مدينة أصلاً. فهو إنما يوجد للمتوحد و غايات المتوحد كما قلناه. فاذاً غاية البهيمى احدى الثلاث، و هذه لا تكون للصورة الروحانية العامة، فان ذلك هو للعقل، وذلك بالنظر. فبيّن انها الثنتان، و هى الروحانية الخاصة و الجسمانية. فاما الروحانية الخاصة فقد يوجد فى كثير من الحيوان افعال تنال بها، مثل الحياء للأسد و العجب للطاووس، و الملق للكلب، و الكرم للديك، والمكر للثعلب. إلا أن هذه اذا كانت للبهايم كانت طبيعة للنوع، و لم يختص بها شخص واحد من ذلك النوع. بل ان ادرك بصورة روحانية خاصة، فشخص ذلك النوع يعطيه هذه الحالة، فشرفه بالنوع. فاما لشخص ما منه، فلا يوجد ذلك إلا للانسان خاصة. و هذه الأنواع التى توجد لها هذه الأخلاق الكريمة هى من اشرف الحيوان. و انما لم تكن فضايل لأنها تستعملها فى كل وقت سواء كان ذلك ينبغى، أو لا (ينبغى)، فلذلك ليست فضايل إلا باشتراك الاسم. و قد تلخص كيف ذلك فى غير هذا الموضع. و اما من غايته الجسمانية. فذلك و البهيمة سواء. و هذه الكمالات، بالجملة، اما كمالات شكلية، او كمالات فكرية. و الكمالات الشكلية يمكن فى بعضها أن تشارك فيها البهايم و الأحوال التى توجد للصور الروحانية، و هى فضايل شكلية، يمكن أن تشترك فيها البهايم. لكن لا توجد إلا لأنواعها، كالنجدة و الحياء الموجودين للأسد، ليس لأ سد واحد، لكن لكل أسد. بل ان وجد لشخص اسد حى يوجد لصورته الروحانية الخاصة شىء يخصها، من ذلك كالإفراط مثلاً، لكن ذلك لصورته بالعرض. و صور البهايم الروحانية انما (تكون) باحوال هى كمالات اذا اخذت عوضاً من النوع، فان وجد لشىء منها حال، فبالعرض و ما يوجد من هذه الأحوال المشتركة للصور الروحانية الإنسانية، فكلها يخصها، لا لأنها عوض من النوع بالعرض.
و اما الكمالات الفكرية، فهى احوال خاصة بالصور الروحانية الإنسانية، لا شركة لغيرها فيها. و ذلك كصواب الرأى، وجودة المشورة، و صدق الظن، و كثير من المهن و القوى التى الانسان مختص بها كالخطابة وقود الجيوش، و الطب، و التدبير المنزل و غير ذلك. فاما الحكمة فانها أكمل ( احوال) الروحانية الإنسانية - الا عند من لا يعلمها - فانها عند ذلك تجري مجرى هذه، و ذلك مثل مرتبة العالم عند الجمهور و هذا الكمال يوجد للعلم بالعرض، و بالقصد الثانى. و اما الذى للحكمة بالذات، و على القصد الأول، فليست احوالاً لشىء، بل هى كمالات بالإطلاق، واما الذى يستفاد بالأكل و الشرب، والدثار والمسكن والمركب، و ما جانس ذلك، اذا طلبت لذواتها، و نصبت غايات فاحوال للصور الجسمانية. والذى يستفاد من أحوال هذه. و من افعال الفضايل الشكليه، جودة الرأى، و صواب المشورة، و ما جانس ذلك، اذا طلبت لذواتها، و نصبت غايات و احوال هذه الصور الروحانية و كذلك الصنايع الظنونيه كلها و الصنايع البرهانيه عند من لا يطلبها للغايات الذاتية لها. و اما هذه الأفعال الذكريه و العلوم، فهى كمالات بالإطلاق و لا تقال بتقييد. و هى مختصة بالانسان، لا يشترك فيها غير انسان. و هى اما ان تعطى الوجود الدئم أو تصل به و اما الصور الروحانية الخاصة، فانما تفيد الوجود الذكري. و اما الصور الجسمانية، فانها تفيد الوجود المشار اليه و هو اقصر الوجودات .
و اليق الوجودات بالفناء الوجود الجسمانى واليقها بالدوام فالوجودات العقليه. و اما الروحانية فهى طويلة البقاء بالإضافة الى العقلية. و بحق كان ذلك فانها مركبة من الطرفين الجسمانى و المعقول. فمن المعقول استفادت طول الوجود و الدوام البقاء و من الجسمانى استفادت تناهي البقاء. و كل ما بقاوءه متناه فطوله كقصره فى نسبته الى الأزلية اذ لا نسبة اليها فطول البقاء المتناهى كقصره. لكن اذ كان الإنسان يجب بالطبع بقاء عام زايد فى عمره فاحرى ان يكون محبوباً عنده اكثر و اعظم زيادة عشرات بل زيادة مئين بل زيادة الوف او اكثر. كما نجد ذلك فى كثير من ذوى المهن و نجد المئين فى كثير من العلماء و الألف مثل الإسكندر من الملوك و كثير من الحكماء و الآلاف فى مثل ابقراط و ما جانسه .
فصل:
من الناس - كما قلناه قبل - من يراعي صورته الجسمانية فقط و هو الخسيس. و منهم من يراعي صورته الروحانية فقط و هو الرفيع والشريف. فكما ان أخس الجسمانى من لا يحفل بصورته الروحانية عند صورته الجسمانية و لا يلتفت اليها، كذلك افضل مراتب الشريف من لا يحفل بصورته الجسمانية، و لا يلتفت اليها. لكن من لا يحفل بها اصلاً قصّر مدة وجوده. و كما أن ذلك خارج عن الطبع كذلك هذا. و هذا ايضاً لا يوجد، بل انما يوجد من يتلف صورته الجسمانية فى طاعة صورته الروحانية، و لذلك يقول تأبط شراً.
فما حظنا إما اسارٌ و منّة
و إما دم، و الحر بالقتل أجدر
فرأى الموت افضل من تحمل منّة العتق. و من هاولاء من يقتل نفسه، اما فى الحرب فكما يفعل المرواني في حرب عبيدالله بن علي بن العباس و هو القائل:
ذل الحياة و كره الممات
و كلا اراه و خيماً و بيلا
فان كان لابد من ذا و ذا
فسيراً الى الموت سيراً جميلا
و كما فعلته الزباء مع عمرو حين قالت: « بيدى لا بيدك يا عمرو» و ملكة مصر مع او غسطس المذكور خبرها فى التواريخ، و كأقوام يذكرهم فى كبارالأنفس ارسطو طاليس، حرقوا أنفسهم و مدنهم، عندما ايقنوا ان عدوهم يغلبهم. و يشبه ان يكون هذا كله افراطاً، الا فى بعض المواطن؛ فان اتلاف الجسمانية دون الروحانية عن كبر نفسٍ و عظم همةٍ و ذلك مثل ما فعلته فاطمة ام الربيع و سائر بني زياد، عندما لحق بها قيس ابن زهير فى تراميها عن بعيرها التي كانت راكبة عليه، فماتت. و هذه الحال خاصة في بعض الأحوال التى الموت فيهاافضل من حياة.واختيارالموت على الحياةفعلانسانى صواب ،وسنلخص هذه الحال بعد هذا.
ومن شرف الأشراف (١)الكبارالأنفس صنف دون هذا،وهو الاكثر،وهومن لايحفل بصورته الجسمانية عند الروحانيةغير انه لايتلفها،إما لأن (٢)صورته الروحانيةلاتضطره الى ذلك ،او ان اضطرته الى ذلك فآثر بقاء صورته الجسمانية.وذلك (مثلما)(٣)فعله حاتم الطائىعندما ذبح فرسه ،وقعد جائعاًلم يطعم منه شيئاً، و لاطعم منه اهله ،وصبيته يتضاوعون (٤)جوعاً.ومثل مايفعله اللصوص لكن اولئك انمامقصدهم السياسة (٥)لإقامة الجسم ،فهم يبذلون (٦)اجسامهم لأجسامهم ،يؤثرون حالاً جسمانية على حال أخرى جسمانية.
وهذا الصنف لاموضع للتوقف عن الاعتراف بان هذا الفعل شرف ورفعة،كفعل الطائى و ماجانسه. وان هذه الطبيعة الكريمة سنيةروحانية، وانها أسنى المراتب دون مرتبة الحكمة فقط .وان الطبع الفلسفي يجب (٧) ضرورة أن يكون من اوصافه هذا،فانه ان لم يكن هذا فيه كان جسمانياً و كان فيلسوفاًبهرجاً(٨) فهذا الطبع الفلسفي اذا كان مزمعاً ان يكون على كماله الأخير، فهو يفعل هذا الفعل. ولذلك كل من يؤثر جسمانيته على شىءمن روحانيته، فليس يمكن ان يدرك الغاية القصوى. فاذاً فلا جسماني واحد سعيد، و كل سعيد فهو روحاني صرف. إلا انه كما يجب على الروحانى أن يفعل الأفعال الروحانية لذاتها، كذلك الفيلسوف يجب ان يفعل كثيراً من الأفعال الروحانية، لكن لا لذاتها، و يفعل جميع الأفعال العقلية لذاتها. فبالجسمانية هو الإنسان موجود، و بالروحانية هو أشرف، و بالعقلية هو الهى فاضل. فذوالحكمة ضرورة انسان فاضل الهى، و هو يأخذ من كل فعل افضله، و يشارك كل طبقة فى افضل احوالهم الخاصة بهم، وينفرد عنهم بالفضل الأفعال و اكرمها. و اذا بلغ الغاية القصوى، و ذلك بأن يعقل العقول البسيطة الجوهرية التى تذكر فيما بعدالطبيعة، و فى كتاب النفس و كتاب الحس و المحسوس، كان عند ذلك واحداً من تلك العقول، و صدق عليه انه الهى فقط، و ارتفعت عنه اوصاف الحسية الفانية، و اوصاف الروحانية الرفيعة، و لاق به وصف الهى بسيط.
وهذه كلها قد تكون للمتوحد، دون المدينة الكاملة. و لا يكون بالرتبتين الأوليين جزء هذه المدينة و لا غايتها، و لا فاعلها، و لاحافظها. و هذه الثالثة قد لا يكون بها جزء هذه المدينة، بل يكون غايتها المقصودة؛ اذ لا يمكن ان يكون حافظها، و لا فاعلها، و هو متوحد. فقد تبين بهذا القول مرتبة الروحانية من الجسمانية، و انها أشرف و سنبين فيما بعد مراتب اصناف الروحانية بعضها عند بعض. و لنقل الآن فى الروحانية، من حيث لها النسبة العامة للصور الروحانية.
و العامة اما أن تكون عامة بذاتها، كالأنواع و الأجناس، و اما عامة بالعرض، كالصور الروحانية الخاصة، اذا كانت موجودة لكثير، لا على آنهاصفة لما هى فيه. فهى عامة بنسبتها الى ما هى فيه، كصورة الشمس المحسوسة، و كصورة جبل أحد المتخيلة عند من ابصره. و هذه من هذه الجهة تعرف بالخيالات. و يقال للقوة المدركة آنهامتخيلة، فان القوى التى بها تدرك المدركات ثلثة اصناف:
الصنف الأول، القوى التى بها تدرك الصور الجسمانية، و هو الحس، و اجزاؤ ه صور الأجسام. و هذه الأجسام التى لها مثل هذه القوى هى أعضاء لجسم طبيعى، و هى الحواس الخمس. و الإدراكات الحاصلة فيها هى صور روحانية، و هى فى أول مراتب الروحانية.
و الصنف الثانى، القوة التى تدرك هذه الصور الروحانية التى تسمى الخيالات، و هى المرتسمة فى الحس المشترك على مابيّن فى غير هذا الموضع. و يقال للقوة المدركة لها متخيلة، و هذه الإدراكات الحاصلة فى القوة المتخيلة ليس لها قوى مدركة لها على هذه الجهة؛ فان هذه الجهة المُدرَك فيها محرك للمُدرِك. فان اللون يحرك البصر، و الصورة الروحانية الحاصلة فى البصر تحرك هذه القوة.
و هذه القوى تغلط اشكال الفاظها. و ان شكل لفظ المدرك شكل اللفظ الذى يدل عل المحرك. و المدرك شكله فى لسان العرب شكل يدل على المنفعل، و الأمر بالعكس. و لذلك كانت هذه كلها اشخاصاً، و لم تكن كليات. و ليس فى الحيوان قوة أخرى تحركها الصور الحاصلة فى الحس المشترك، فان قوة التحريك تنقطع عندها. و لا لها ايضاً ان وجدت جدوى فانها لو وجدت لكانت باطلاً. فان الصور التى تحصل فى الحواس بها نطلب ما كان موافقاً لنا، و نهرب عن الأجسام المفسدة لنا. و بالصور الروحانية الحاصلة فى القوة المتخيلة، و هى الخيالات، بها نطلب الأجسام الغائية عنا، و هى التى لا تحركها، و نهرب ايضاً عنها اذا كانت غير نافعة لنا.
و الأجسام هى اما حاضرة لنا و اما غايبة عنا، و هى مشتركة للحيوان. اما الأولى فهى مشتركة للجميع غير انها قد يظن بها انها قد توجد مفردة فى بعض الحيوان، كالذباب، و الدود. و قد قلنا كيف ذلك فيما كتبناه فى النفس. و اما الثانية فبيّن من امرها انها لايمكن ان تنفرد عن هذه، لأنها انما توجد بهذه. و الثالثة هى للحيوان الذى توجد له حركة محصلة. فان التحصيل فى الأمور الجسمانية انما يكون هذه، و لا اسم لهذا الجنس فى لسان العرب فلندع الحيوان المحصل الكامل، و هو الانفعال كاللازم و هو أدنى منازلها. و قد يوجد لها مقولة أخرى اكمل من هذه، و هى ايضاً مشتركة للانسان و الحيوان غير الناطق الذى له صنعة، او ما يجرى مجراها، كالنحل و النمل و العنكبوت و الإنسان. فهذه الحالة اما أن تحصل للحيوان بالطبع، و ذلك كالحيوان غير الناطق كالنحل و ما يجرى المهنة، وهى كالرضاع للانسان. و منها ما لا يوجد بالطبع، و هذه اما باعتياد، و ذلك ايضاً مشترك للانسان و بعض الحيوان غير الناطق، كالزرزور، ان لم يقل على نحوى الوجود اعتياد باشتراك الاسم. و منها ما يحصل باستنباط، و هذه تخص الإنسان فقط، و لا توجد لغيره. و هذه اما أن تكون بفكرة كمايعرض ذلك كثيراً، و يخص باسم الاستنباط، و منها ما يوجد دفعة و يسمى الإلهام، و ما شاكل ذلك من الأسماء.
فظاهر أن هذا النوع من وجود القوة الخيالية ليس يحتاج الى الحس - على انه فاعل لها- بل يحتاج الى الحس فى وجود الأجسام القابلة لهذه الصورة الروحانية. و تلخيص ذلك و تعديد أصنافه لا يحتاج اليه فيما نحن بسبيله، و لهذا لا يمكن ان توجد خلواً من حس. و قد يظن آنهاتحتاج الى صورالحس المشترك، لأن هذه الصور انما تكون ابداً مؤلفة من صور مرت بالحس المشترك، و من قبل مرت بالحواس. و تلخيص كيف الأمر فى ذلك فى غير هذا الموضع. لكن ان كان ذلك فليس على جهة واحدة. و كيف كان ذلك، فلا يمكن أن يوجد خلواً من الحس. لأنها لو كانت خلواً لكانت فضلاً لا يحتاج اليه، و كان وجودها باطلاً. فان وجودها انما هو لتحصل فى اجسام، و لا يمكن ذلك دون الحس. و لذلك يجب ان نفحص هل يمكن أن توجد صورة روحانية مخترعة مادتها القريبة لم يمر نوعها بذلك الحس المشترك؟ و اما جنسهاالبعيد فغير ممكن، فان كان ذلك فالصورة الروحانية المخترعة لا تحتاج الى الحى فى وجودها ضرورة. بل انما تفتقر الى الحس فى وجودها الجسمانى ؛ اذ لا يمكن أن توجد فى الجسم إلا بحس. فيجب أن نفحص عن ذلك، الفحص المستقصى.
فهذه على الاستقصاء المجمل أصناف الصور الروحانية المتخيلة. فبهذه الصور يتحرك الحيوان، انساناً كان او بهيمة. فان كل واحد من هذه الصور اذا حضرت، و حضورها بالفعل أن تحصل متخيلة، فعند ذلك تتصل بالنزوعية. فان لاءمتها تحركت النزوعية و حركت الأعضاء ما دامت الملاءمة. فاذا انقضت تلك الملاءمة لم يحركها، و لا تحركت تلك الأعضاء وبقيت الصورة لا جدوى لها فى ذلك الحيوان، اما فى وقت من الزمان، و اما فى غير ذلك الحيوان. و بهذه الملاءمة تصير النفس النزوعية متحركة بالقوة. و فى هذه الملاءمة تتغير، و يسمى آخر اضناف تغيرها - و هو فساد الملاءمة - مللاً و سآمة، و ما جانس ذلك من الأسماء. و أما حركتها من لا ملاءمة الى ملاءمة، و متى تكوّن الملاءمة، فلا اسم لها فى لسان العرب، بل انما توجد الأسماء عندهم بلسان العرب لفساد الملاءمة. و اما الصور الروحانية، فليست متغيرة اذ ليست منقسمة.
و اما النزوعية، فليس مانع يمنع من انقسامها، اما بذاتها أولاً، و اما ثانياً. و لذلك يظن انها صورة الجسم. و ذلك الجسم هو الحار الغريزى. و ذلك موافق لما يظهر حساً من استحرار جسد الغاضب و حمرته، و برد جسد الخائف و صفرته و سرعة حركة المشاهى للشهوة الشديدة، وقوتها. و الحال التى تعرض عنها هاتان تسمى عند العرب نشاطاً، و بطء حركة الضعيف و ضعفه يسمى كسلاً. و النشاط يتبعه ضرورة لذة عند العمل، و اذى عند السكون. والكسل على ضد ذلك، فانه فى سكونه لذة، و فى عمله أذى. فاذا كان الأمر على ماتبين، فى اللذة و الأذى، فان النفس النزوعية تكون فى النشاط على حال خارجة عن طبعها و تفيدها تلك الحال الصور الروحانية كالجوع و الظمأ. و الكسل،تكون النزوعية فيه بالحال الطبيعية. فتكون الصور الروحانية اما ان تفيدها تلك الحال، فلا يمكن ان تحركها اصلاً أو تفيدها حال اخرى. فتكون عند ذلك خارجة عن الطبع، فينفر عنها كحال الممتلىء شبعاً عند الطعام. فلذلك متى حركت صورة روحانية قوة نزوعية فانها ان كان تحريكها لها مساوياً لما تحتاج فى وجودها، حصلت تلك الصورة فى الجسم فى زمان متصل .و ان كان أقل، لم تحصل فى زمان متصل. بل انما يحصل فى زمان متصل جزء منها، و احتاج وجودها الى ازمنة منفصلة. و ربما انخرم ذلك، فلايكمل، و احصاء ذلك سهل بأدنى تأمل. فلننزل صورة تحرك قوة نزوعية فى جسد صحيح، و مادة تقبل تلك الصورة. فلننزل تحركها فى زمان وجودها فى تلك الحال الملايمة، مساوياً للزمان الذى فيه يتم وجود تلك الصورة فى تلك المادة، حتى يكون انقضاؤهما معاً. فعند ذلك تبقى تلك الصورة الروحانية لا عمل لها، و لا هى نفس بالفعل، و لا اسم لها عندالعرب. فلننقل اليها اسم اقرب الأشياء اليها، وذلك مثال الوهم و الخيال، و ما جانس ذلك من الألفاظ و الأقوال و الأسماء المركبة كقولهم: «ما لا يبالى به» و اشباهه فى الدلالة.
و كذلك ان حركت النفس النزوعية الى الحال الطبيعية - و هى التى سميناها بالملائمة -، فاما أن لا تجد مادة، او تجد مادة غير أن قبول المادة للصورة يحتاج الى زمان اطول من زمان ذلك النشاط. فتكون الصورة اما أن لاتحصل فى المادة، أو يحصل منها جزء (فقط. و) فى هذه الحال تكون الصورة الروحانية نفساً فى هذه الحال. و فى التى قبلها تشبه الصورة الروحانية الخاصة بالبرهان، و بالجملة بالقياس. فان القياس لا يفعل ابداً، بل انما يفعل فى انسان ما وقتاً ما، و فى انسان آخر لايفعل شيئاً اصلاً، كما يعرض ذلك فى البرهان، و فى ساير الأقيسة. و اكثر ما يوجد ذلك فى القياسات المؤلفة عن المعقولات.
الباب السادس
فصل:
الصور الروحانية الخاصة مع نسبها العامة هى - كما قلنا اما أن تكون مرت بالحس المشترك اولاً، او تكون استفادتها لا من الحس. فلنخص أولاً على طريق الرسم المفيد لها، و المفيد للصور الروحانية الخاصة الإفادة العامة، اربعة أصناف: اشهرها كلها الحواس، وذلك بين بنفسه. و الثانى الطبيعة، فان العاطش يجد فى نفسه صورة روحانية للماء، و الجائع للطعام، و كذلك سائرها؛ و ما يجرى مجرى الطبيعة، كالعاشق للمعشوق، و بالجملة، فالمشوق للمتشوق. و الثالث الفكر، كالصورة الروحانية المستنبطة بفكر وروية .و الرابع العقل الفاعل، و هى كالصورة المستنبطة، لابفكر و لا روية. و فى هذا الصنف تدخل الألهامات و الرؤيا الصادقة. فاما أخطار الصورة الروحانية بالعرض، و يسمى ذلك بالتذكر فننسب ذلك للحس. وسنقول فيها فيما بعد، فلنقل فى هذه.
فصل:
اما الصورة التى نسبتها للحس، فمنها بذاته، و منها بالعرض. فالذى بذاته كصور المحسوسات، و اما بالعرض فكما يعرض ذلك فى المنام، و فى الحال التى يقال لها تذكر و اخطار بالبال. و ذلك لو يرى انساناً ركب فرساً، ثم يرى ذلك الفرس، فتذكره ذلك الإنسان. و هذا الصنف ضروب كثيرة، و منها تعمل الأشعار كقول مالك بن اسماء (خفيف):
ان لى عند كل نفحة بستا
ن من الورد أو من الياسمين
نظرة و التفاتة، أترجى
ان تكونى حللت فيما يلينى
و بكاء الديار، و الحزن للآثار من هذا الصنف و اشعار العرب يكاد أن يكون اكثرها مصنوع من هذا الضرب. و يكاد أن يكون معظم الحكايات و السمر من هذا. و اكثر ما يوجد ذلك عند من أسنّ لكثرة ما شاهدوه، و ذلك بين عند من تأمله.
فليس هذا التذكر هو الذى يذكره ارسطو فى الثانية من الحس؛ فان هذا لا يكون عن نسيان، و يكون المتذكر له تذكره من قِبَل نفسه، لا من قبل غيره. فاما الصور الروحانية الحاصلة عن الحس بذاته، فامرها بيّن بنفسه. و اما الحاصلة عن الطبيعة، فهى أيضاً بالعرض، و بالذات فاما بالذات فليست صورة خاصة لجسمها، و قد قلنا فى ذلك. لأن العطشان لا يشتهى ماء بعينه، بل انما يشتهى الى ما كان من ذلك النوع المشتهى. و لذلك ظن جالينوس ان البهائم تدرك الأنواع، بل أن احدثت صورة روحانية خاصة فبالعرض. اما بالعرض، مثل أن يعطش الإنسان، فيمر بخاطره ما كان أحبه فى قدح ماء، او يجوع، فيمر بخاطره صورة الغداء، فيتذكر طعاماً قد كان أغذاه. فالطبيعة اذن بذاتها لا تفيد الا صورة روحانية صادقة، و ملايمة لها. وذلك ان المحموم انما يشتهى تبريد المعدة، فاشتهى البرد، و هو ضرورة نافع.لكن البرد انما يصل اليه ضرورة مع البارد و فى البارد اشياء غير ذلك، مثل أن يكون البارد ماء، فيكون مع انه بارد رطب يكون غليظاً له، و يكون مختلطاً به قوى أرضية مثل أحوال المياه. فلذلك يقول فلاطن: «الطبيعة لا تغلط فيما تمتازه من النفس». فتعطيها النفس الصورة، مثل ان تستدعي الطبيعة فى الحمّي تبريد المعدة، فيحضرها الماء. و ليس الماء هو التبريد و لا الماء استدعت، بل الماء هو البارة. و فى الماء اشياء أخر لم تستدعها الطبيعة، فربما أضرت المحموم. و ليست هذه الصورة الروحانية التى يفيدها الحس مجانسة للصورة التى يفيدها الحس. و قد تجانس الصورة التى يفيدها الفكر و العقل. و هذه الصورة هى فى فطرة الحيوان، كالهيولى مفطورة على قبول النوع. لكن ليس من حيث هو نوع بعينه، بل على وجه آخر. قد قلنا ذلك فى مواضع كثيرة. و قوام طبيعة الحيوان انما هو بهذه الصورة الروحانية. و هذه الصور الروحانية هى مدبرة الحيوان. و لأن طبيعة الحيوان مركبة لذلك احتاجت الى صور كثيرة. و تلخيص هذا فى موضع آخر لائق به.
فصل:
والصور الروحانية التى لا يفيدها الحس و لا الطبيعة، فانما يفيدها الفكر او العقل الفاعل. وهذه فقط يختص بها الإنسان. فأما الصنفان الأولان فهما موجودان للحيوان المحصل. فاما الصورة التى يفيدها الفكر، فقد تكون صادقة و كاذبة. و الكذب فيها اكثر وجوداً من الصدق فى بعض السير. و فى هذه تدخل الأمانى و منها قول الشاعر (طويل):
منى- ان تكن حقاً- تكن احسن المنى
و إلا فقد عشنا بها زمناً رغداً
و لذلك قد يتمنى الإنسان ما يعلم انه لا يمكن، مثل أن يتمنى مخاطبة موتى. و ليس يضر هذه ان يعلم الإنسان انهاكاذبة. بل فضيلة امثال هذه الصور الكاذبة أن يعلم الإنسان انها كاذبة. فانه ان لم يعلم بكذبها كان مخدوعاً او غالطاً، او ما شاكل ذلك. و الصدق فى هذه يقل فى السير و يكثر.
و اما التى توجد عن العقل الفاعل فكلها صادقة، بالذات لا بالعرش. و كذلك ما يوجد عن الفكر الصادق. و هذه الصور ليست صورالأجسام بعينها، فتكون خاصة، و لا هى أيضاً مجردة عن الهيولى، فتكون معقولات عامة. و ليس توجد لها النسبة الخاصة، و لا توجد لها حالات المعقولات العامة، بل توجد بين الصور الخاصة و المعقولات. و بحق كان ذلك، لأن فيها من كل واحد من الطرفين شيئاً. فهى تشارك الخاصة بانها فى القوة التى تصير فيها الخاصة؛ و تصير عامة لأن هذه القوة قبلت عن العقل، و استفادت منه العموم. و هذه القوة وسط بين الموجودات الهيولانية و الموجودات العقلية. فهى تقبل من الطرفين، و تحاكيهما. و هذه الصور - كما قلنا - تفيدها الطبيعة. فما كان منها تفيده الطبيعة لأجل السلامة، فهى مشتركة للحيوان كله، بل يكاد ان يشترك فى ذلك النبات، بوجه ما. فاما ما تفيده الطبيعة، لأجل الأفضل فهو فى بعض الحيوان المحصل، كالنحل و النمل. وكل حيوان نبيل فهو محصل. و كل محصل فله الصورة الروحانية المحسوسة. و كل نبيل فله الصورة المحسوسة. و الصورة المتوسطة هى التى رسمناها قبل.
و الصور المحسوسة ظاهر من أمرها انه لا يكون عنها بذاتها استنباط، و لا تصور روحانى، كالفكر و ما قام مقامه. فانا متى احسسنا جسماً، و حصلت عندنا صورته الروحانية الخاصة، و اردنا ان نضع مثلها، فانما نصيرّها فى هذه الرتبة، ونخلع عنها خصوصها لموضوعها. فان موضوعها لا يمكننا ايجاده لأنه قد حصل موجوداً. و انما نسوق بالصورة الروحانية المتوسطة ما هو غير موجود، بل بما هو موجود بالقوة، و غير موجود بالفعل. و ذلك بيّن لمن تأمله أيسر تأمل.
و لذلك تقل اعمال من يحصل له من الروحانية القدر الذى يفيده الحس و التأمل و التخيل عن تلك الصورة. و تكون اعمال من يستفيد الصورة الروحانية عنده زيادة روحانية. و لذلك من اقتصرت الصورة المحسوسة عنده على روحانيتها، التى يستفيدها من الحس، كان ارعن فان الصورة الروحانية الخاصة - و هى التى سببها الحس - فان خيالها الحركة المحصلة فى المكان فقط. و اما ساير الحركات، فانما هى للصورة التى تفيدها طيبعة ذلك الإنسان، و قد قلنا انها تجانس المتوسطة. و هذا الإنسان الذى له هذه الطبيعة - و هو الذى تقتصر فيه الصورة المحسوسة على القدر الذى يخصها من الروحانية - هو بليد، و هو قليل التصرفات، و لا توجد له أعمال كثيرة. و كذلك بعض الحيوان غير الناطق مثل الشياة و البقر و الخنازير. فان كان له مع ذلك آلات، اما طبيعية، مثل قوة الأيدى او سلاح، ثم لميستعمله، كان ارعن مثل الدب و الخنزير، و الأرعن من الناس معروف.
و اما النبيل والذكى فهو الذى تكون عنده الروحانية الخاصة بحال المتوسطة، اما قليلاً و اما كثيراً. ففى الحيوان المحصل مثل الثعلب و الدب، و الحيوان المحتال كله، و فى الإنسان، فكالكثير التصرف. و لذلك تو جد فى الإنسان النبيل العيون المتحركة الرطبة الحدقات، كأنها مائعة. و يوحد البليد و الارعن عيونهم كأنها جامدة قليلة الحركات. فان الصور المتخيلة انما تصير فى القوى بالأحوال التى يلحقها بها البصر. فلذلك كل من كان على المجرى الطبيعى، و أخطر بباله صورة ما روحانية، فهو يخطرها بالحال المرئية، و هو يحدق نحوها. و لكثرة الأحوال الروحانية الموجودة للصورة المحسوسة فى النبيل، لكثرة حركات العين و تحديقاتها، كانه ينظر الى واحد واحد منها. لأن التحديقات تعاد اخطارات هذه الاحوال الروحانية. و لذلك النبيل كثير تحرك الحدقة، غير متواترها، و البليد ساكن: والعجول كثير حركة الحدقة، متواترها سريعها. و لذلك وضع اهل الفراسة سرعة حركة العين علامة القليل الثبات. و انما هذان الغرضان اعنى سرعة حركة العين و كثرها، و سرعة التقلب تابعان لشىء واحد. و هو أن الصورة الروحانية سواء كانت محسوسة أو كيف كانت، كثرت روحانيتها، و هى التى بها يكون الشبه، فتكثر الحركات. لأن هذا لايرى، فنحكم على كل صورة بما يجب لها. لذلك نسرع التنقل لرؤية جميع المشاكلات التى فيها، و لاسيما الغامضة. و قد لخّص القول فى هذه المشاكلات فى الثانية من الحس، فتكثر الصور الروحانية فى الآن متتالية فى الحس، فتسرع حركات العين. و الجيد الرؤية روحانيته تكثر عن الصورة المحسوسة، فتكثر تحديقاته، فتعادّها حركات حدقته و لأنه يروىّ، فهو يلبث مع الصورة زمناً محسوساً، و لذلك تتفاوت التحديقات. وكلما كان ألطف إحداقاً كان أسرع حركة. و كلما كان أجود رؤية كان التفاوت اكثر. و لذلك يوجد الإنسان المطبوع على الفكرة البرهانية كثير الحركة العين كثير أصناف التفاوت بين حركات حدقته. لأنه اذا فكر خطر بباله ما قد أثبته، فلم تكن له فيه روية، فقل التفاوت. و فى بعض غير بينة، فهو يستعمل الروية و تسكن حدقته، و يكثر التفاوت، و يطول، و لا ينتظم فيه التفاوت ،و لا التواتر . و ما أحسن ما فعله اهل الفراسة حين اتخذوا من العين العلامات الدلالة على الأفعال النفسانية، لا سيما على الأفعال التى نسبت الى القوى، التى بها يكون الإدراك .
الباب السابع
فصل:
و الروحانية الخاصّة و المتوسطة لا تجعل غايات، لأنها امور حاصلة اكثرها بالطبيعة، و بالجملة فبغير الإرادة. و ما يحصل من محموداتها، و ما يظن به أنه محمود، بالإرادة، فهى داخلة فى هذه الثلاثة: اما فى الجسمانية، او فيما ينتفع فيها، كالفلاحة، و ما يجرى مجراها. او فى الصور الروحانية الخاصة، فكأصناف صنايع أخر. و اما فى المعقولات كأصناف التعليم و الشعر، و ما جانسه. فليست هذه غايات، بل عن هذه تحصل تلك الأخر، و هذه اسبابها. و لذلك متى كان انسان أفضل، فليكن مثلاً المهدى و آخر أدنى، فليكن مثلاً أبا دلامة الشاعر، فعند كل واحد منهما الصورة الخاصة بالآخر. و كل صورة الروحانية، فقد تحرك الجسم الذى هى فيه. فصورة أبى دلامة الشاعر تحرك المهدى الى الراحة و الضحك. و صورة المهدى تحرك أبا دلامة الشاعر الى العبس و القوام. و ظاهر أن العبس والقوام أفضل من اللهو و الضحك. فبصورة الأسنى يصير الأدنى أسنى. و بصورة الأدنى يصير الأسنى أدنى، و لذلك يظاهر الأدنى و يعلن باسم الأسنى، و يخفى الأسنى تحركه عن الأدنى، و لا يذكره الا فى الخلوة. و كذلك كل واحد يحرك صاحبه الى نحو الحال التى هى فيه . و قد أحسن زيد بن عدي العبادي فى قوله: (طويل)
عن المرء لا تسأل، و سل عن قرينه
فان القرين بالمقارن مقتد
فالمتوحد، الظاهر من أمره انه يجب عليه أن لا يصحب الجسمانى. و لا من غايته الروحانية المشوبة بجسميه. بل انما يجب عليه ان يصحب أهل العلوم. و لأن اهل العلوم يقلون فى بعض السير، و يكثرون فى بعض، حتى يبلغ فى بعضها أن يعدموا. و لذلك يكون المتوحد واجباًعليه فى بعض السير، أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه، و لا يلابسم الا فى الأمور الضرورية أو بقدر الضرورة. أو يهاجر الى السير التى فيها العلوم، ان كانت موجودة. و ليس هذا مناقضاً لما قيل فى العلم المدنى، و لما تبين فى العلم الطبيعى. فانه تبين هناك أن الإنسان مدنى بالطبع، و تبين فى العلم المدنى أن الإعتزال شر كله، لكن هذا انما هو بالذات. و اما بالعرض فخير كما يعرض ذلك فى كثير مما فى الطبع. مثال ذلك ان الخبز و اللحم غذاء بالطبع و نافع، و أن الأفيون و الحنظل سموم قاتلة. لكن قد يكون للجسد احوال غير طبيعية ينفع فيها هذان، و يجب أن يستعملا، و تضر فيها الأغذية الطبيعية، فيجب أن تجتنب. و لكن هذه الأحوال هى ضرورة امراض، و هى خارجة عن الطبع، فهى نافعة فى الأقل، و بالعرض. و الأغذية نافعة فى الأكثر، بالذات. و نسبة تلك الأحوال الى الأبدان، كنسبة السير الى النفس. و كما أن الصحّة يظن بها انها واحدة تضاد هذه الكثرة، والصحة و حدها أمر طبيعى للجسد، و هذه الكثرة خارجة عن الطبع، كذلك السيرة الأمامية هى الأمر الطبيعى للنفس، و هى واحدة، تضاد سائر السير و هى كثيرة، و الكثرة غير طبيعية للنفس.
فصل:
الصور المتوسطة ليست غايات و لا يوجد متوحد يعمل عنها، بل انما توجد عن المتوحد لأجل احدى تلك الثلاث ؛ فان اكثر الصناعات، و هى القوى والمهن، هى مقتصرة على هذا الصنف. و المهن والقوى انما توجد للثلاث. و هذه المتوسطات، ما كان منها لا بارادة فليست مكتسبة. و كيف تنصب غاية والوقوف على هذه ليس يعطى المتوحد علم ما ينبغى أن يقصد نحوه، بل انما يعطيه علم الأسباب الموصله .
و أيضاً فأن سيرة المتوحد، لما كان احد ما يجب أن يبين كيف ينبغى أن يكون علم الصور الروحانية، و كان هذا ايضاً أحد اقسامها، فقد ينبغى أن يقول فيه من أراد أن يضع فى هذا العلم قولاً صناعياً. و مع ذلك كله فانما يظهر اثناء القول بها من العلوم التى تستحق ان تؤثر لذواتها. و لأن المتوحد على الخصوص انما هو من نحا نحو العلوم النظرية، فكان هذا النحو من أنحاء العلوم النظرية جليل القدر، فيكون القول فيها مع ما ذكرنا قد افاد بالعرض جزءاً من غايته المقصودة.
الباب الثامن
فصل:
الأفعال الإنسانية التى تضاف الى المتوحد، يمكن أن يفعلها متوحد ثلاثه اصناف، كما عددنا قبل: منها ما هو نحو الصورة الجسمانية له، و منها ما نحو الصورة الروحانية الخاصة، من حيث لها نسبة خاصة. و منها ما هو نحو الصورة العامية، و هى الصور المعقولة. فاما الروحانية الخاصة - من حيث لها نسبة خاصة - و الروحانية المتوسط، فبها تدرك الغايات، و ليست غايات كما قلنا فى هذه كلها .
و قد تبقى علينا أن نقول فى الروحانية المعقولة. و هذا الصورة هى فيما اعددناه فى الصور الخاصة على وجود مقابل. فان تلك الصورة موضوعها الذى تستند اليه، و هى به موجودة صادقه، واحد، و موضوعها، الذى هى هيئة فيه، كثير. و هذه موضوعها، الذى هى به هى موجودة، كثير، و موضوعها، الذى هى له هى هيئة، كثير. فهى بنسبتها الى موضوعاتها غاية، اللهم الا فى المعقولات التى لها شخص واحد. فتلك نسبة روحانيتها الخاصة ان كانت لتلك خاصة على هذه الجهة التى هى للأجسام الملموسة. و ذلك يكون بان نحسّها أنفسها، و ان كان المحسوس شرّها، فليس لتلك روحانية خاصة الا بالنسبة. و ذلك أن الحس اذا لم يدركها لم يمكن الخيال أن يدركها. و بالجملة، فأى هذه كان، فلا مدخل له فى هذا العلم، لأنا انما غرضنا فيما يختص الإنسان، فان تكلمنا فيما لا يخصه، فكلامنا فى ذلك فى هذا العلم بالقصد الثانى.
و المعقولات هى لجميع انواع الجوهر. و الإنسان هو نوع من انواعها. فمقول الإنسان هو صورته العامة، و هو أخلص الروحانيات روحانية على ما سنبين بعد هذا. لكن ليس لها الى إنسان إنسان نسبة تخص، كما عرض ذلك بالصور الروحانية الخاصة. و لا هى ايضاً فى الحال من احوالها تشبه المتحرك، كما عرض فى تلك. فان صورة زيد كانت فى نفس عمرو بحال خسة، ثم صارت الآن بحال فضيلة و رفعة، فقد حدثت لها حال، و زالت عنها حال. و بهذا الوجود تشبه المتحركة، و ان لم تكن متحركة. و ليس ذلك كما يلزم فى صورة زيد، اذا ظن فيه عمرو الخسّة، ثم انتقل، و ظن به الرفعة؛ فان زيداً فى تلك تحرك من ظن الى ظن. و فى الحال يكون زيد كان مثلاً متخيلاً بصورته الجسمانية، فحصلت صورة الروحانية الخاصة، عند عمرو بهذه الحال. ثم انتقل زيد فصار كريماً، فصارت صورته الروحانية الخاصة عند عمرو بهذه الحال الأخرى، و زالت عنه الحال الأولى. فيجب أن نفرق بين الوجودين الروحانيين فانهما يتغايران بيناء التغاير. فبهذا الوجه ، و بهذا النحو الصادق تستفيد الروحانية من الجسمية التى فى موضوعها حال خسة او رفعة. فبالوجود الجسمانى اذن تستفيد هذه الروحانية احوالاً.
فاما المعقولات فهى على حال مقابلة، و هى أنها لا تستفيد من الوجود الجسمانى لا رفعة و لا خسة، و ذلك بين بأدنى تأمل. و ذلك أن زيداً ان كان كريماً، و كان عمرو لئيماً، فالمعقول منهما يوصف بانه كريم و لئيم معاً، هذا ما لا يمكن. فان كان بعض كريماً و بعض لئيماً، و الكرم سيكون لغير زيد و اللئوم قد يكون ايضاً لغير عمرو، فذلك كان لأن طبيعة هذا النوع قبلت الضدين معاً. و قبول الضدين اما فى أوقات مختلفة، او فى موضوعات مختلفة. فأن المحمولات التى فى القضايا التى فى موضوعاتها امور كلية، اما ضرورية فهى لكل ما هو شخص لذلك الكلى الموضوع ؛ و اما جزئية، فهى ايضاً فى بعض الشخاص التى هى الموضوعة الكلى الموضوع فى القضية. فكذلك فى وجود ذلك الموضوع فى كل ما يلزمه اما لزوماً ضرورياً كلياً، او غير ذلك من اللزوم. و الأشياء التى هى ممتنعة أن توجد فى الأشخاص التى هى موضوعة لذلك الكلى هى ايضاً محدودة، و ذوات عدد متناهية. و هذا كله قد تبين فى مواضع كثيرة .
فاذن و لا موضوع واحد من موضوعات الكلى يفيد الكلى حالاً. و لا يشبه به الكلى للأمور المتحركة، بل الأمر فيها على الوجود المقابل. و ذلك أن نوعه ان كان يقبل الامر الأفضل فموضوعه يقبل الأمر الأفضل، لأجل قبوله و امكانه. و هو إن كان لا يقبل لم يقبل موضوعه. و ان كان الموضوع شريفاً كان الشخص الموضع شريفاً و بالعكس. فالنوع يفيد الشخص الموجود حال الشرف و الخسة، و هو ايضاً يفيده الثبات و الدوام. و الموضوع هو سبب التغير و الزوال. فليس اذن فى سعى الإنسان شىء هو لصورته العامة كما ظهر فى الجملة من افعاله آنها لصورته الخاصة .
فلننظر الآن فى النسبة التى لصورة الإنسان فى الموضوع الذى يوجد له، كالملكة فيه. فظاهر أن المعقول لا يوجد إلا للانسان خاصة، فبين أن موضوع نوع الإنسان على انه يوصف به، هو موضوعه، على أنه ذو وجود و ذو ملكة. و هذا مقابل ما كان فى الصور الخاصة. فان صورة زيد الخاصة، هى عند عمرو، و هى عند عمرو انها امر موجود فيه لا على انه يتصف بتلك الصورة، فان كان ذلك اتصافاً، فهى فى عمرو نفس، كما قلناه فيما تقدم. فصورة الإنسان ان كان لها تحريك لما هى فيه، فموضوعها المتصف بها، هو موضوعها الذى هو له هيئة، او كالهيئة. و بهذه فان كلى الإنسان ساير المعقولات، فان موضوع تلك المتصف بذلك الكلىّ، كأنك قلت كلىّ الفيل، فموضوعها فيلٌ كثر به الجنس، و موضوعه الذى يتصف به هو شخص من اشخاص الإنسان، الذى هو موضوع لكليّ للانسان.
فكما باين الإنسان ساير الجوهر الموجودة فكذلك باينت صورته ساير الصور التى للكاينات الفاسدات، و اشبهت بالصور التى للأجسام المستديرة. فان تلك تعقل انفسها، و موضوعها المتصف بها و هو موضوعها بالوجه الآخر أن قيل لها بهذه النسبة الأخرى موضوع. فانه انما يقال موضوع بوجهين: اما القابل للأثر بالإضافة، و اما الموجود الجسمانى بالإضافة الى معقوله. و الأجسام المستديرة هى موضوعات للمعقولات التى بها هى ما هى. و ليست موضوعات للوجود تلك الصور فيها، اذ لم تقبل على جهة انها هيولاها، فيكون بها وجودها، بل ما عقلت من صورها من صورها هو موجود بنفسه. و سبب وجودها، يتقدم لها فى الوجود على ما تقدم اجزاء الحد المحدود .
فأما انواع الأجسام الكائنة، فان الأجسام موضوعات، على أن الكليات صور لتلك الأجسام .و الأناسى الذين يعقلون بتلك المعقولات على أنهم قابلون لها، و بهم توجد تلك المعقولات، و تشبه على جهة ما الأثار فى المواد. فأما نوع الإنسان، فان موضوعه المتصف به، هو موضوعه الذى له على الجهة الثانية .
و قد ينشأ موضوع تعجب و اعتبار يكبر عويصاً شديداً. و ذلك أن طبيعة الإنسان هى فيما يظهر كالواسطة بين تلك السرمدية، و هذه الكاينة الفاسدة. و الأمر فى الإنسان فى هذه الحال على المجرى الطبيعى، فان الطبيعة لم تنتقل من جنس الى جنس الا بمتوسط، كما نجد ذلك فى كل اجناس الجواهر الموجودة. فان فى الموجودات موجوداً وسطاً بين الجمادات و النبات لا يقدر الإنسان أن يحكم عليه هل هو نبات او جماد. و كذلك بين جنس الحيوان و جنس النبات شىء هو وسط، يأخذ من كل بقسط. و قد قيل فى ذلك فى مواضع كثيرة، و قلناه نحن فيما تقدم .
و اذا كان ذلك فقد يجب ضرورة أن يكون فى الإنسان معنى هو فى تلك السرمدية، فيكون به سرمدياً، و يكون فيه معنى يشبه الكاينة الفاسدة، فيكون به كايناً فاسداً. فما هذا المعنيان؟ فقد ينبغى أن يفحص عنهما. و أيضاً، فانا اذا نظرنا من جهة اخرى، كان ما هو الإنسان يوجد فى نوع الإنسان. فان كان يقبله، فقد صار الموضوع يقبل صورة الإنسان بوجهين من القبول، فى وقت واحد، و هذا شنيع. و ايضاً، فان كان شخص انسان - بما هو انسان - يقبل الإنسان، فالانسان، فى حد الإنسان. و أجزاء الحد متقدمة للمحدود، فالانسان موجود قبل أن يكون انساناً؟ فالانسان قد وجد قبل أن يوجد، و هذا محال و شنيع .
فالواجب أن نفحص أن هذا القول المشكك، فنعطى كل واحد من طرفيه قسطه. و يشبه أن نقف منه على أن الإنسان من عجايب الطبيعة التى اوجدتها، فنقول أن الإنسان فيه امور كثيرة، و انما هو انسان بمجموعها، ففيه القوة الغاذية، و ليس هذه يقبل صورتها. و فيه القوة الحساسة و الخيالية و الذاكرة، و هذه كلها لا يقبل ذواتها و لا يلحقها، و فيه القوة الناطقة و هذه الخاصة به .
انتهى ما وجد من هذا القول، الحمد للَّه كما هو اهله و مستحقه .